حوار رئيس الحزب مع جريدة الوحدة الأردنية

 

تمايز الحزب السوري القومي الاجتماعي عن سائر الأحزاب والحركات السياسية في الهلال الخصيب والعالم العربي، لا يقتصر على جذرية موقفه في الصراع ضد "اسرائيل" بل لأنه في طبيعة تكوينه العقائدي والنضالي، يكافح من أجل تحقيق مشروع وحدوي، يشكل الضد الفعلي والمباشر لمشروع التجزئة الاستعمارية التي بدأت بـ "سايكس ـ بيكو" كما وأن مشروع هذا الحزب يستمد قوته من حقائق التاريخ التي تمنحه المشروعية الحقيقة الكاملة.

كما أن هذا الحزب سجل لنفسه تاريخا حافلا بالتضحيات بدءا من مشاركته الفاعلة في معارك فلسطين عام 1936 وسقوط شهداء له أمثال حسين البنا و سعيد العاص و غيرهم، الى معارك فلسطين 1948، و كان له شرف إطلاق شرارة المقاومة في لبنان بدءا من استهداف مستعمرات العدو في الجليل الى عملية الويمبي في بيروت و التي كانت فاتحة تحرير العاصمة اللبنانية، الى العمليات النوعية و الاستشهادية التي أفصحت عن إرادة صلبة و عزيمة صادقة، وقد كسر بعقيدته و مبادئه كل الحواجز الطائفية و الكيانية، إضافة الي سيرته الطويلة في النضال القومي، يمتاز الحزب بعراقة مشروعه المدني العلماني، وهو الحزب الوحيد في هذا الشرق الذي استطاع أن يحيي الفكرة القومية التي فيها مقتل الطائفية والمذهبية والكيانية .. ولذلك عندما يستعرض المرء القيادات التي تعاقبت على تولي المسؤولية فيه يشعر بالأمان القومي، و إذا أردنا أن نضيء على هذه الناحية يكفي أن نشير الى أن النائب في البرلمان الأردني مصطفى أرشيد انتخب رئيسا للحزب .. كذلك النائب في البرلمان السوري عصام المحايري، وكذلك انتخب عدد من القيادات الحزبية في لبنان رؤساء للحزب، إضافة الى قيادات الصف الأول التي تتشكل وتنتخب من مختلف كيانات الهلال الخصيب.

يعد جبران عريجي الذي انتخب للمرة الثانية رئيسا للحزب السوري القومي الاجتماعي، من الشخصيات القومية البارزة، و هو يتمتع بحضور سياسي وقومي ، وبثقافة واسعة عبر عنها عشرات اللقاءات السياسية والحوارية، ومجموعة كبيرة من الأبحاث و الدراسات التي شكلت مرجعا في قراءة القضية القومية عموما، وفي شرح الأبعاد والخلفيات التي انطوت عليها "الحرب الأميركية ـ الاسرائيلية" على المنطقة.

الوحدة التقت الأستاذ عريجي وحاورته حول قضايا الساعة وفيما يلي وقائع الحوار :

 

كيف تلخصون موقف حزبكم حيال الاستحقاق الرئاسي في لبنان، وكيف تربطون هذا الاستحقاق بالشأن القومي لاسيما أن هنالك من يصر على اعتباره استحقاقاً يخص لبنان ككيان؟

ـ في الواقع نحن نناقش هذا الاستحقاق من مختلف جوانبه الدستورية والسياسية ومستوياته الاستراتيجية، بوصفه استحقاقاً على قدر ما هو لبناني هو قومي بامتياز. وقياساً إلى المضمون السياسي للحملات التي استهدفت الرئيس لحود، لاحظنا أن الأوساط السياسية المناوئة له قاربت الاستحقاق من زاوية انقلابية على نهج تميّز باحتضان المقاومة، وبالتلاحم المصيري مع سوريا، في مواجهة التحالف الأميركي ـ الصهيوني الرامي لفرض السيطرة على كامل كيانات الأمة،.. من فلسطين ولبنان غرباً حتى العراق ودول الخليج شرقاً، وهؤلاء المناوئون لنهج الرئيس لحود يحاولون الاستفادة في حملاتهم من تعثر مشروع الدولة مستهدفين الإطاحة بالخيارات الاستراتيجية التي أصبحت ثوابتاً قومية في عهد الرئيس لحود.  

وقد رأينا بوضوح كيف أن تلك القوى تشاركت في صياغة خطاب يتكئ في أبعاده على برنامج أميركي لرئيس الجمهورية المقبل، كان قد تم عرضه في أكثر من مناسبة، وتم توالي الإعلان عنه تارة بالتمنيات، وطوراً بكلام مباشر، وهذا البرنامج بدا بأفصح صوره في تصريحات وفد الكونغرس الأميركي إلى لبنان وسوريا.

والمثير أن هؤلاء فهموا "لبننة" الاستحقاق الرئاسي، التي طرحها الدكتور بشار الأسد وكأنها دعوة للانفصال أو الاستقلال عن المصير القومي المشترك مع سوريا. مع أن هذه "اللبننة" تعني في الواقع إعادة تفعيل المؤسسات السياسية في البلاد،.. وفي طليعتها البرلمان صاحب الصلاحية الدستورية في هذا الأمر. لكن يبدو أن "اللبننة" تعني عند بعض الأطراف التمهيد الحقيقي للأمركة. أما نحن فنجزم بأن القوى الحية التي حفظت لبنان من الاستلاب والتفكك وتشاركت في صنع التحرير ستضغط بكل قوتها عبر ممثليها في البرلمان للحيلولة دون أمركة هذا الاستحقاق.

إننا ننطلق في رؤيتنا للرئيس العتيد من قراءة استراتيجية لحال لبنان ومآله في تداعيات ونتائج الانفجار الكبير الذي تشهده أمتنا،.. بدءاً من فلسطين وحتى العراق، وهي قراءة قومية الاتجاه والنظرة. لهذا سنقف بقوة في مواجهة أي برنامج أميركي في لبنان يستهدف التكامل مع أي برنامج مماثل في العراق، وأي برنامج "إسرائيلي" في فلسطين.

أما بخصوص الحديث عن تعديل الدستور الذي تدّعي الولايات المتحدة الأميركية الحرص عليه، فتاريخياً،  شهد دستور ما قبل الطائف وما بعده عدداً من التعديلات في أكثر من 7 محطات. واستذكارنا لهذه الواقعة يجب أن لا يفهم بأن هدفنا هو التخفيف من مغبة العبث بالدستور، بل نحن حريصون على صيانته والخضوع لأحكامه في طريقة التعديل. كما إننا نحرص على أن يتم أي تعديل وفق الأصول المرعية ومن ضمن الوفاق الوطني العام. أما هذه الغيرة، التي فاجأتنا بها الولايات المتحدة الأميركية على دستور البلاد، فتفضحها دعوة الإدارة الأميركية ذاتها إلى التوطين في لبنان، وهو أمر مرفوض لبنانياً، وهذا الرفض مكرس بنص دستوري سيادي. فكيف توّفق الإدارة الأميركية بين دعوتها إلى هتك هذه السيادة عبر اختراقها نصاً سيادياً.. وبين دعوتها إلى عدم المساس بالدستور في انتخاب رئيس للبلاد؟ إن الدساتير هي في خدمة شعوبها وليست مطية للأجنبي. 

 

المتتبع لمواقفكم وآرائكم يلحظ تشديداً في أدبياتكم الفكرية والسياسية على تعزيز الاتجاه الوحدوي في مستوى الهلال الخصيب، برأيكم ما هي السبل الممكنة كي يستقيم هذا الاتجاه الوحدوي؟

ـ هذا الاتجاه المؤسس في عقيدتنا القومية ينطلق من حاجة الأمة إلى استعادة واقعها الطبيعي ما قبل سايكس ـ بيكو. ونحن الذين عملنا لتحقيق هذا الهدف القومي منذ مطلع القرن الماضي، كنا نتطلع دائماً إلى إنجاز الوحدات القومية الأخرى في العالم العربي. ففي غاية الحزب المنصوص عليها في مقدمة دستوره "السعي لتحقيق جبهة عربية موحدة"، كالتي تم إنجازها مؤخراً بين الأمم الأوروبية. لكن، من المؤسف أن الكيانية تكرست كبنى اقتصادية أمنية، ليس فقط في الهلال الخصيب، بل أيضاً في مختلف بيئات العالم العربي. وهذا يعود للنهج البريطاني الذي حرص تاريخياً على تعميم التجزئة كخيار استراتيجي إمبريالي تتبناه راهناً الولايات المتحدة الأميركية. مما يملي علينا البحث باستمرار عن أسس وحدوية جديدة تكون منطلقاً للعمل الشعبي.

نحن نرى اليوم في التكامل الاقتصادي مدخلاً إلى التكامل السياسي الثقافي الأمني بين كيانات الهلال الخصيب. ونراهن على أن التدرج في التقدم بمسار هذا التكامل سيؤدي إلى تراكم الإيجابيات،.. وإلى إطلاق دينامية اقتصادية اجتماعية في دورة نشطة قابلة للتوسع والنمو.

من جهة ثانية، نرى في اتفاقية التعاون والتنسيق القائمة بين لبنان وسوريا تجربة مؤهلة، في حال تطويرها، لأن تؤسس سوقاً اقتصادية تنفتح لتشمل كامل فعاليات الهلال الخصيب،.. وتكون نواة لسوق عربية أشمل وأوسع في عالم يتنادى إلى قيام التكتلات السياسية والاقتصادية الكبرى،.. بحيث لن يكون هنالك في المستقبل القريب من موقع حقيقي للدول الضعيفة المنزوية عن حركة العصر.

وأكثر من ذلك، فإن طبيعة الأخطار التي تتداعى إلى كياناتنا عبر التهديدات "الإسرائيلية" ـ الأميركية، تجعل من هذا الاتجاه التكاملي التوحيدي، بغض النظر عن الحلم القومي، حاجة استراتيجية تمليها علينا مختلف الاستحقاقات التي تكاد تلامس حدود المصير. خصوصاً أن العولمة وعلى خلاف ما ينظر بعض دعاتها،  تفترض بطبيعتها سلسلة من الاندماجات الإقليمية والقومية، لأن الاقتصادات القطرية والكيانية هي بشكل عام اقتصادات هشة. والاقتصادات الهشة لن تستطيع أن تلعب دور المشارك الحقيقي في أي اقتصاد عالمي أو معولم. من هنا فإن تأسيس اقتصاد القرية القومية أساس للتعاطي المتوازن والأمين مع اقتصاد القرية الكونية.        

 

برأيكم ما هي الأهداف الحقيقية التي يرمي إليها مشروع "الشرق أوسط الكبير" وما المقصود بإعادة تشكيل المنطقة؟

ـ "الشرق أوسط الكبير" هو نسخة مطوّرة أميركياً عن مشروع شرق أوسطية بيريز الذي لم يكتب له النجاح كونه مشروعاً للسيطرة الصهيونية أطلق على خلفية حرب ديبلوماسية شديدة الخطورة كانت في أوج احتدامها.

اليوم، بعد سقوط لغة الدبلوماسية التي استهلكت الإدارة الأميركية و"الإسرائيلية" أدواتها، رأت الولايات المتحدة أن وجودها العسكري في المنطقة يمكن أن يدفع بالأنظمة المذعورة إلى الرضوخ للإملاءات الأميركية، خصوصاً أنها تأتي تحت عنوان الحرب على الإرهاب، واجتثاث جذوره وأصوله وفروعه التي ربطت الإدارة الأميركية بينها وبين الإسلام في دول المشرق العربي ومحيطها الآسيوي معتبرة أن غياب الإصلاح السياسي ـ الاجتماعي هو المناخ الذي يغذي الإرهاب.  

وقد استغل استراتيجيو الإدارة الأميركية نقاط الضعف العربي في تقرير التنمية، الصادر عن الجامعة العربية، للربط بين عناوين الإصلاح السياسي الاجتماعي الثقافي وبين حاجة الولايات المتحدة إلى إحداث تغييرات استراتيجية في الجغرافيا السياسية.

إن الإدعاء برغبة أميركا في تعميم الديمقراطية والإصلاح على مساحة الشرق الأوسط الكبير، تنطوي عملياً على اتجاه إلى تفكيك البنى السياسية القائمة، عبر تحطيم العرى والروابط المدنية والقومية التي تشكلت طوال العقود الماضية، بحيث يصبح المناخ ملائماً لإيقاظ القوى الاتنية والطائفية المتربصة خلف مشاريعها التي قمعت خلال العهود الماضية. ونرى في العراق كيف أن هذه القوى خرجت من تحت ركام الحرب،.. وتسابقت لتملأ الفراغ في غياب مركزية الدولة.

ويجب الانتباه إلى أن قيام دويلات طائفية واتنية في المنطقة لا يلبي فقط حاجة أميركا إلى فرض هيمنتها وسلطانها، بل يشرعن قيام "إسرائيل" "الدولة" الدينية الوحيدة في العالم.

إن إعادة تشكيل المنطقة في الصيغة الطائفية الاتنية يعني تجزئة المجزأ تحت عناوين الديمقراطية المزعومة والسيادة المعدة على قياس مصالح أميركا، بحيث تكون لهذه الدويلات الوليدة من رحم الحرب وظيفة وحيدة هي التنافس على خدمة التحالف الأميركي ـ الصهيوني. وهذا هو الدور الوحيد الذي يمكن أن يرسم لها في شبكة العلاقات الدولية.

بكلمات سريعة أقول إن "الشرق الأوسط الكبير" هو بمثابة المرعى لكل الدول الطامعة بأرضنا، وإن هذا المرعى من السهل تشكيله عندما يتم القضاء على الهوية القومية... واستبدالها، كما هو في المخطط الأميركي، بهويات بحت اقتصادية.  

كيف تنظرون إلى المشهد العراقي، وهل تتخوفون من إمكانية حدوث عملية تفتيت مذهبي وطائفي واتني، أم ثمة معادلات ستفرض نفسها،.. وهي تملي توحيد مختلف ألوان الطيف العراقي في مواجهة الواقع الحالي؟

ـ لا شك أن المشهد العراقي بات في غاية التعقيد جراء انهيار الأساس الموضوعي للدولة، ولا شك أن الإدارة الأميركية ذهبت بعيداً في الرهان على التناقضات الطائفية والاتنية، وهي تتطلع إلى عراق مأزوم بتنوعه، في حين كان هذا التنوع على مر التاريخ عامل غنى ثقافي روحي،.. ضارباً جذوره في أعرق حضارة. وكانت واضحة في تفاصيل هذا المشهد مختلف المحاولات السياسية والأمنية لجر العراقيين إلى اقتتال طائفي عرقي. لكن لحمة أهلنا في العراق كانت أقوى من مفاعيل الفتنة،.. والوقائع الميدانية أثبتت وجود مستوى عالٍ من التماسك والحرص على وحدة المجتمع، وتعبيرات الوحدة الوطنية تبرز في التصدي للمحتل خصوصاً أن مختلف ألوان الطيف العراقي تشارك في مقاومة الاحتلال. وهي من النجف تشد أزر الفلوجة، وفي شرق العراق كما غربه وشماله وجنوبه تتكامل في النضال اليومي لمواجهة الاحتلال. ومثلما انتصرت مقاومة شعبنا في جنوب لبنان نحن واثقون أننا سنشهد انتصاراً مماثلاً في العراق وفلسطين،.. مهما طال أمد المعاناة.

من جهة أخرى أقول أن جهل الأميركيين لحقيقة شعبنا وتاريخنا والرهان على سهولة تأقلمه مع الاحتلال فضحتها بسرعة ديناميكية التفاف شعبنا في العراق حول مقاومته، التي نراهن عليها كعامل توحيد أساسي في مواجهة التقسيم، لأن المشروع الأميركي في المنطقة هو مشروع تقسيمي احتلالي. والمقاومة بطبيعة عملها وطريقة تصادمها مع المحتل ستعيد تشكيل العراق من جديد، تماماً كما حصل في لبنان، فالمقاومة الوطنية اللبنانية هي التي ساهمت إلى حد كبير في توحيد اللبنانيين وفي مواجهة الخطر الصهيوني، ورد هجماته المتكررة على لبنان.

ولعل أكثر ما يجب أن ننتبه له هو الحرص على المقاومة، باعتبارها العنوان الوحيد الذي يربطنا بالمستقبل الذي تحاول أميركا إخراجنا منه.   

 

هل تتوقعون استمرار الضغوطات الأميركية على سوريا وبعض الدول الإقليمية، وبالتالي ما هي قدرة هذه الدول على احتواء هذه الضغوطات؟

ـ واضح أن الإدارة الأميركية ستلجأ إلى مختلف الوسائل المتاحة لديها لإرساء مشروعها على كامل المنطقة،.. ومن هذه الوسائل الضغوط الاقتصادية والأمنية والسياسية،... لكن السياسة الأميركية التي ثبت أنها أخطأت في حساباتها العسكرية حيال العراق، لا تزال مصرة على الاعتقاد بأن توظيف قوة أميركا العسكرية والأمنية يمكّنها من احتواء صمود لبنان وسوريا، وتعطيل حيوية دورهما المشترك في إعادة تصليب الموقف القومي والعربي وتفعيل المناخ الإقليمي في مواجهة مشروع الهيمنة الأميركي المتعدد المستويات.

إن قانون محاسبة سوريا، وبغض النظر عن تأثيراته الاقتصادية الطفيفة، هو قرار إمبريالي بالدرجة الأولى،.. الغاية منه إرضاء اللوبيات اليهودية في أميركا، والتأثير على الرأي العام الأميركي المهجوس بتفاصيل العراق ومحيطه لتوفير دعم أفضل لحملة بوش الانتخابية، ومن هذا المنظور نقرأ مختلف التهديدات التي يطلقها أركان الإدارة الأميركية تباعاً، والتي تتوسل إرهاب سوريا بمختلف الوسائل. ورغم الضعف الذي يميز حال العالم العربي تمكنت سوريا رغم الضغوط من إعادة ترتيب المواقف الإقليمية، وهي بالحد الأدنى تمكنت من خلال دبلوماسيتها النشطة من إنتاج حالة إقليمية رافضة للهيمنة الأميركية. 

وهنا أريد أن أتجاوز السؤال لأؤكد أن الممانعة اللبنانية ـ السورية وفرت في كلا البلدين وحدة وطنية منيعة، لم تتوفر عند باقي أقطار العالم العربي التي كانت تاريخياً أقل جذرية في المواجهة، وفي حالات أخرى كانت أكثر انبطاحاً أمام أميركا و"إسرائيل". فالمواجهة مع المشروع الأميركي ـ "الإسرائيلي" ترسي، بتفاعلاتها داخل الكيانات العربية، حالة من السلم الأهلي المدني مؤسسة على قاعدة الإحساس بالمسؤولية والتصلب في وجه المناورات. أي أنها توفر وحدة وطنية هي السلاح الحقيقي في مواجهة العواصف الخارجية. من هنا نعتبر تماسك الجبهة الداخلية في لبنان وسوريا متراساً حقيقياً في مواجهة ما يعدّ للمنطقة. وهنا أجزم بأن باقي الأقطار العربية لو اعتصمت بهذا المنهج القومي لكانت أكلاف مواجهاتها مع الخارج أقل خسارة.

 

 هل تتوقعون انحسار دور الدول الأوروبية التي تخالف المشاريع الأميركية أم تتوقعون تنامي هذا الدور وبروز تشكيل دولي يعيد العالم إلى مناخات الحرب الباردة؟      

ـ نلاحظ أن الفعالية الأوروبية حيال المنطقة برمتها أصبحت في الآونة الأخيرة أكثر نشاطاً وأكثر ميلاً نحو الاستقلال عن الولايات المتحدة،... ويجب أن نقرأ جيداً السياسات الأوروبية الرامية إلى لعب دور حقيقي في مسألة الصراع العربي ـ "الإسرائيلي" والرامية أيضاً إلى الحد من الاستبداد الأميركي في العراق والمنطقة. فبالرغم من التحالف الأوروبي ـ الأميركي القوي في أكثر من مجال، نرى أن هنالك افتراقاً جزئياً عن الاستراتيجية الأميركية حيال الشرق الأوسط نابع من الانحياز لمصالح أوروبية مهددة بفعل الهيمنة المطلقة المخطط لها من قبل أميركا للمنطقة.

ولكن،.. يجب أن لا يذهب بنا الخيال إلى حدّ تصور حالة دولية سريعة تعيدنا إلى مناخ الحرب الباردة. فالتوازنات الدولية لم تتضح بعد، كما أن بين أوروبا وأميركا علاقات تقليدية في الأمن والاقتصاد لا يمكن أن تنفصم بسهولة.

لكن ذلك لا يمنع من الرهان على الشارع الأوروبي الذي يعارض بقوة السياسات الأميركية في العالم ويدفع بحكوماته إلى المزيد من الاستقلالية والخصوصية التي إذا أحسنّا التعاطي معها يمكن أن نبلور داخل هذه المجتمعات مقاومات مدنية وسياسية للحد من الغطرسة الأميركية. خصوصاً أن الأوروبيين، في صلب استراتيجيتهم المضمرة أحياناً والمعلنة في أحيان أخرى، يسعون إلى دفع العالم باتجاه التحرر من القطبية الواحدة وإرساء عالم متعدد الأقطاب.

من هنا، فإن العالم مقبل بشكل أو بآخر على توازنات دولية جديدة، وإن كانت خجولة في بداياتها، ويجب الانتباه إلى أن أداء أميركا في العراق ومنطقتنا كما في مناطق عديدة من العالم يعكس احتمال أن صعود القوة الأميركية ربما وصل في حلته الإمبراطورية إلى الذروة التي ستشهد أميركا بعدها حصاراً أخلاقياً وسياسياً، ولا نقول الآن هزيمة، وكل ذلك سيكون لصالح تقدم كتل دولية جديدة في أوروبا وشرق آسيا. والمؤسف أن العالم العربي بما هو عليه من ضعف واستلاب لا يزال عاجزاً عن التماسك وتوظيف طاقاته البشرية وثرواته وموقعه الاستراتيجي، ليكون كتلة ذات وزن في المعادلة الدولية.