كمال خير بك

 

 

دفتر الغياب

 

 

 

 

صنفت لجنة من أصدقاء الشاعر الراحل في باريس (ربيع 1981) قصائد هذه المجموعة واختارت عنوانها.

الطبعة الاولى:     بيروت 1982

 

 

فهرس

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

الصباح الميت

بيروت، 1965

 على من يطل صباحي؟

على مقبره.

على رجمة ميتة مقفره

على كومة من جراح.

ليالي صمت وجدب ووحشه

وفجري  وحل

وبيدر عمري غلال شقاء ومحل

وكلي، أنا ومصيري، سؤال جنين يحضر نعشه.

تعيش الاظافر في مقلتيا

وتلهو الافاعي

فتزرع خطوي الضرير على كل ناب

وفي كل قاع.

 

لتوقظ في ضياعي

لترمي سموم الفراغ على وجه دربي و بين يديا.

أنا أي لحن كئيب.. و أية غصه؟

أنا أي كون غريب.. و أية قصه؟

أنا .. من أنا؟!

يا شفاه الزمان

أجيبي سؤالي

ويا قمة خلف حد المكان

بأي جواب سأسكت جوع الغناء

يضج خيالي

ويحمل فكري

الى جنة، كنت فيها اله،

على باب قبري.


 

  

 

الذاكرة

 تشرين أول، 1962

 المجد لي؟

المجد للسجان، للحشرات تعبث بي

لشتائم تنهال كالسحب

المجد للجدران هازئة

مزروعة بالرعب والغضب

وعوالمي البيضاء غارقة

بالخيبة الرقطاء والعتب

وعوالمي تنهار بين يدي

تنهار مثل تساقط الشهب

وأدور.. أين أنا؟ و أين غد؟

عمرته بالماس و الذهب

يا طول ما مجدت ثورتهم

وحرقت في ظلمائهم غضبي

يا طول ما غنى دمي لهم

وتراكضت لعناقهم كتبي

.. يا رب لو تغتال ذاكرتي

كم كنت غرّا، جاهلا، و غبي.


 

  

 

الصخرة

للصخر فم ينمو حولي

يمضغني...

ثم يمل و ينهزم.

للصخر يد

تتربص في أحجار الدار

تسري في الليل وتنتقم

وحدي، وحدي

أترصدها، ليل نهار.

 

أعلم أني فيها أسكن، فيها أجري

لكن الصخرة لا تحترم

مجرى النهر

والصخرة لا تبتسم

الا عن قبر.


 

 

صلاة

كان، الاثنين 3. 1965  

 

الوجوه ارتعشت حول الخليج

الوجوه المظلمه

أبرقت وانطفأت عند الخليج

وتوارت

في قناع اللذة المنهزمه.

 

أيها الحزن الذي ينبت في

حين ترسو حول روحي

جثة الحب ونار الكلمه

يتدلى من جفوني، من جروحي، كالنسيج،

أتخلى عن جفوني و يدي

وأصلي عبر أسرارك في

لمصابيح الخليج.


 

 

 

الرجل الوحيد

 كان، 6. 6. 1965 

 

- 1 -

الرجل الوحيد،

الرجل المليء بالاسرار

يقبل من بعيد

ينزف في شوارع المدينه

يرشح بالغيوم والغبار

 

الرجل المشوه الوحيد

تعشقه المدينه

نحبه وننحني لحزنه الوحشي

يمخر كالسفينه

حياتنا،

يشق في أرواحنا

مضيقه السري...

 

في الليل والنهار

تسألنا نساؤنا عنه

يسألنا أطفالنا عنه

وكل ما ظل لنا منه

هذا السكون الدائم الانتصار.

 

 

 

- 2 -

كان، 11. 6. 1965

الرجل الوحيد

يسكن في أحداقنا

يكمن في أعضائنا، يصطادنا،

يدخلنا كفاتح...

ملوحاً ندوبه الوحشية الأحزان

كراية القرصان.

 

 

- 3 -

كان، 15. 6. 1965

 الرجل الوحيد يستطيل في أفواهنا

ينمو هنا، في داخل القلب

يملؤنا بالنار والدخان،

ونحن،في دوامة الرعب،

أشجاره المحنية الاغصان.

لكنه يخاف أن نراه

أن نفضح السر الذي أرساه

في أرضنا...

يدخل من بوابة المقهى

يختار من زاوية المقهى

مكانه القديم

يخرج من جيوبه السريه

آلامه الشرقيه

ينشرها كامرأة تنشر في الصباح

ثيابها، و نحن كالرياح

نهب من فضولنا

نهب من مقاعد المقهى

نرمقه بأعين ولهى،

نود أن نثقب هذا العالم الصغير

من حوله، نود أن نراه

يسقط في شباكنا... مطوقاً، أسير.


 

 

 

أغنية

 باريس، 17. 9. 1965

 لست الا شاعراً

يقطن سطح الكلمه

عابراً في مهرجان الشعراء

لغتي بضع حروف مظلمه

والشرايين اختفت منها الدماء! 


  

 

 

غرور

 باريس، 9. 12. 1965 

 أرميك من نافذة الغرور

لكي يكون لي

خضوع طفل طائش مقهور

لكي يكون لي

وجهي الذي أعشقه

وجهي الذي تعشقه الّنسور

ملطخاً بالذل... بالغرور.


 

 

 

دليل الفارس الصغير

 باريس، 29. 7. 1966

 "الى طرفة بن العبد"

 أصبعاً... أصبعاً

بعدد النهود

بعدد السيوف، و الكؤوس، و الاقلام!

كي تستطيع هذه اليد أن تعود

يدي،

و هذا الرأس أن ينام.


 

 

 

رحلة

تعبت حروف قصائدي

في لوعة الدرب الطويل

تعدو وراء أحبتي

ووراء حلمي المستحيل

عبر الصحارى الشاسعات و قيظها المر الثقيل

تعبت و أرخت للنعاس جفونها عند الاصيل،

فهرعت أوقظها بأغنية المراكب و الرحيل :

هيا. فرحلتنا الجديدة نزهة في فجر "ليل"


 

 

 

قعر المرآة

خرجت للدنيا بلا سيف و لا ثياب

قرعت أجراسي على كل باب،

حلمت في مرآة عريي أن أعانق البشر

أن أجد الحياة و السلام،

لكنني، و ألمي، رأيت كيف العالم انتحر

في قعر مرآة من الثياب و الكلام.


 

 

 

الصمت و الحصار 

جنيف، 26. 3. 1969

-1-

 كان لي الصمت سريراً و كتاب

خلف جدران الالم

وجراح الاغتراب

كان لي الصمت صديقاً، والقلم

جمرة تحرق أوراق الاياب

غير ان الصمت - هذا البلبل العاشق-أضحى

بومة تنعب في القلب المهاجر

وغراب

يحمل الانباء من أرض الخراب

من بلاد أثمرت قتلى وجرحى

وحناجر

قطفت كالبرتقال

من بساتين السكوت.

 

كيف للشاعر بعد

ان يواري صوته أو قلمه

تحت أكوام الرمال

كيف لا يفجر في كل البيوت

والحروف الناعمه

ألف زلزال ورعد

 

-2-

يا احبائي في عصر المطر

والزوايا المعتمه

وحكايات السمر

الاعاصير أحاطت بالمدينه

وجوازات السفر

بقيت، مع كتب التاريخ والشعر،

 

على ظهر السفينه

والسفينه

نكست كل البيارق

مزقت خارطة الدنيا و قانون الجهات

واستحالت، بين احشاء الحرائق،

في زفاف الماء و النار، جنيناً للقدر

وصدى يصعد من قلب السكينه

صارخاً آية طارق

معلناً ان الخطر

وحده باب النجاة.

 

لم يعد، بعد لنا أي اختيار

لم يعد في وسعنا حتى الفرار،

خلفنا البحر، وحول السور أمواج التتار

خلفنا الماء، وخلف السور نار

خلفنا الليل وعبر السور أبواب النهار ... 


 

 

 

 علية الموسيقى

 1970

 

يسقط من علية الموسيقى

نهد ويستحيل

حمامة تحمل في منقارها الجميل

صديقا.


 

 

 

نهاية

جنيف، كانون الثاني، 1971 

 

آثرت أن أبدأ من نهاية الروايه

قراءتي

آثرت أن أبدأ من نهاية الرساله

كتابتي

كي أقنص الالفاظ من أعضائها الخفيه

وأدفع القراء خلف نجمة معصوبة العينين أو غزاله

تركض في أغواري القصيه،

آثرت أن أعقد الحكايه

حكاية التاريخ و الاشياء ... أو حكايتي

لا رغبة ... بنعمة الالغاز والاحاجي

بل رهبة من شبح النهايه. 


 

 

 

منفى

 جنيف، 15 آيار 1971 

 

نحن الكلمات المنفيه

نحن الصدفات المرميه

في قاع العالم، في آبار الوطن

نحن الاوراق المنسيه

في جيب الريح، و في أدراج الزمن.

لكنا نبقى،

نحن البحر، ونحن الغرقى

نحن المطر.

 

من يسمع هذا الشاعر يبكي،

ريشته تبكي،

فوق رصيف الليل،

تقوس، تنكسر ..


 

 

 

ثقب الابرة

 17. 7. 1977

 

أدخل ثقب الابرة، أحمل تحت ذراعي

جملا؛

أصل الجنة، ادرك أن الجنة ليست غير خداع

فأعود الى وطني مقهوراً، بين سطور كتاب

لكني لا ألقى من يعرفني -

لا ألقى درباً أو باب.


 

 

 

بهلوان

1979

 

كان يمشي فوق حبل المشنقه

فوق خط الاستواء

لابساً كل ثياب البهلوان

صفق الجمهور. كان المهرجان

هائلا، والمشنقه

تتدلى في الهواء

مثل أنثى،

صارت اللعبة أحلى

صارت اللعبة أقوى

من حدود الامتحان :

قفز الفارس من ثقب الزمان

سقط الشاعر في بركة ضوء مغلقه

رائعاً

مثل شجاع

أو ... جبان !


 

 

 

الموت الاخر

 

" في ذكرى وديع حداد تذكرت صديقي "ارهاب".

كان فتى جميلا لم يكتمل، مات قبل البلوغ. كنا نسميه

خجلا "العنف الثوري". وكانت له أسماء مستعارة

كثيرة منها: وديع حداد، وابو حسن سلامة، وفؤاد

الشمالي، ومحمد بوضيا وغيرهم ممن ماتوا قبل أن

يموتوا ".


 

 

 

البكاء

 

أبكي غيابك أم غيابي

وجوادك الفضي يصهل عند بابي ؟

أبكي ويرد عني الصهيل :

انت المسافر في عذابي

وأنا القتيل.

أبكي و لست عليك أبكي

بل على وطن عثرت عليه في أشلائك

المتبعثره.

 

أبكي وقد مر السنونو،

وامتد حقل الحزن من صوتي إلى كل الخيام

وشرعت أسأل: من يكون

هذا المهاجر في قطار المجزره ؟

 

وصرخت: لا، لا تمنعوه من الرحيل

وقد خشيتم من يديه على السلام !

بل صادروا دمه الخصيب، وحزنه الرائي،

ولا تنسوا حقائبه القديمه

فلقد رأيت بها خريطة ذلك الوطن التي

ضاعت، وصار مجرد البحث الخجول بها

جريمه !

أبكي، وأنت الفارس الطاغي

الذي ينفي البكاء

ويعلم الدمع المهاجر أن يعود الى الجفون

ليصير أجراساً من الرعب الجميل

تعلو وتعلن فوق وديان الجليل

زمن الترد و الفداء -

زمن الجنون.


 

 

 

" في جحيم الكلام "

  

ذاهب أنت في نعيم السكوت

وأنا ذاهب في جحيم الكلام

أقرأ الارض،

أسمع الناس،

واستطلع الخراب أمامي أيها الشاهد الشهيد الذي لا يموت

أيها اللاجيء الذي تتعانق في قدميه جميع البيوت :

قتلناك. والان حول رفاتك نبكي ولا نخجل

و(يا للقبيلة لم تهزج بل ارتعدت في الليل

لما أتى من صلبها رجل)

"ارهاب" عفوك لا تصدق ما اقول

أنا منهم، من جملة الاتين من وحل الهزيمه

جئنا لنخفي عنك - أو عنا - تفاصيل

الجريمه

جئنا لنخفي خنجر الغدر الذي اغتلنا به هذا الرسول

"الخائفون من الرهان

باعوا سلاحك

وتدافعوا في المهرجان

ليسرقوا حتى جراحك"


 

 

 

" الموت الاخر "

 

راحل، يا صديقي، الان مثلك في موتنا الاخر

موتنا العربي

(كان لنا موتان: موت الاخرين، وموتنا.

كنا نموت لانهم ماتوا، ونبعث كي نموت

ليولدوا)

يا موتنا السري

من يصغي اليك ومن يراك

يا موتنا السري في كل الدقائق:

موتنا العلني ليس سوى صداك!

 

كنا نهضنا من سرير اليأس، نفتح المدائن والقلوب

وحولنا زمن عجيب

(زمن التجارة بالكرامة والتراب)

وسلاحنا جرح، يغني أو صليب

كنا انفجرنا من قناني الصمت

من رمانة الرعب الجميل وقد رمتها الصاعقه

فتناثرت فوق الكنائس والمساجد والسهول

قلنا: انتهى عصر، و ها كل الخيول

كل الخيول العاشقه

عبرت سياج الخوف، وانتشرت على

طول المسافة

بين صوتك والصدى

ورأيت كيف الموجة اتحدت بأشرعة المدى ...

لكن - و"لكن" طعنة فصحى ... وتختصر

العذابا - سألتك أجراس القيامة عن بلاد

في أقاصي النوم لكن حين لم تجد الجواب

جعلت من دمك الجوابا.

سألتك أحجار الجليل عن الندى والبرتقال

عن الخيام الباكيات بلا صدى

ففتحت بابا،

 

وصرخت : أين هم الرجال

وبكيت، وانفجرت دموعك في أقاصي الارض

وامتلأ المدى بالرعد:

البعض خاف وعاد للنوم المطرز

بالسلامه

والبعض فر على كتاب أو خطاب،

أو حمامه

و.....

والبعض قام،

فقامت الدنيا. و قلنا: اليوم تبتديء القيامه

لكن دموعك - أو قنابلك الحزينة -

يا صديقي

لاقت بمنتصف الطريق

سداً من الجثث التي تخشى مغادرة القبور.

حقلا من الاغنام من أقصى المحيط الى

الخليج

واذن ..

واذن

لمن هذا الضجيج؟؟

ولمن نموت وموتنا جسر... وينتظر العبور؟!


 

 

 

" الموت الفصيح "

 

.....وصرخت

واتحد الصدى بالصوت

وسمعت ان جنودك انتحروا

وان جنودك الباقين قد عبروا

.. جدار الموت:

"عبروا مضيق الفاجعه

عبروا حناجرنا المضاءة بالجراح الساطعه

عبروا كتابي

كالبرق، كالرمح المبلل بالمطر

عبروا شبابيك السهر

دخلوا مخادعنا المليئة بالسراب

عبروا جدار النوم، والخوف المخادع،

والضباب

جاؤوا كعاصفة الدماء

في هذه الصحراء، صحراء الكلام العربيه

جعلوا السماء

أرضا، وأحجار الجليل الملحميه.

سفناً تقل جنازة التاريخ نحو الابديه".

 

ماذا نقول لهم، وموتهم الفصيح شهادة

ضد الكلام؟

ماذا نقول، وموتهم نفق من الضوء

المسافر في الركام

ماذا نقول لهم وقد صدئت بنادقنا...

القديمه؟

ماذا نقول لهم، وقد خجلت حناجرنا

العقيمه؟

سقطت ثياب بلاغة الشعراء

سقطت تماثيل الخطابة، والكتابة، والغناء

فرت مناديل البكاء

من بين أيدي العاشقين

فرت أمام رسالة امرأة

في القدس أو "جنين"

ترسل لي دموعها في طرف السكين.

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

www.ssnp.com