.سليم مجاعص يكتب سيرة أنطون سعادة في أجزاء
سنوات الصبا محطة أولى في رحلة الهجرة والوعي

محمود شريح

 

سليم مجاعص، الطبيب المقيم في شيكاغو، يصدر من بيروت الجزء الاول من (سيرة أنطون سعادة: سنوات الصبا) في طباعة أنيقة وغلاف أخّاذ عليه صورة الزعيم في ساو باولو وهو صوب العشرين واقفاً على شرفة ومتكئاً بكوعه على حائطها فيما يمعن النظر الى الأفق وخلفه الدنيا الرحبة. في 221 صفحة قطعاً كبيراً ينصرف الباحث مجاعص الى رواية قصة سعادة منذ مولده في الشوير (1904) حتى عودته من المهجر (1930) وقد عزم على انقاذ سورية الطبيعية من براثن الرجعة، والنهوض بحزب ببرنامج عمل متكامل يدعو الى وحدة بلاد الشام ويلغي تسلّط رجال الدين على الحياة السياسية ويردّ الى النفسية السورية مجدها التليد في العزّ والأنفة ويجبه قيام الدولة العبرية.

وُلد في الشوير من جبل لبنان في الاول من آذار 1904 وسُمي باسم جدّه لوالده خليل سعادة المقيم آنذاك في القاهرة مع الرعيل الوطني اللبناني المهاجر والمتصل بأعيان الحركة الوطنية المصرية بزعامة سعد زغلول ومصطفى كامل. عن مسقط سعادة وموقعه الجغرافي ومكانته التاريخية يسهب مجاعص في وضع سعادة في إطاره الحضاري، ويفلح في مسعاه، فالشوير ايضاً مسقطه وملعب صباه قبل أن يدلف الى اميركية بيروت ليدرس الطب ومنها الى جامعة شيكاغو للاختصاص ثم للممارسة حتى الساعة.

في وصف دقيق لمناخ الشوير الثقافي وتوثيق متين لهجرة أهلها، متكئاً على مصادر اولية ومراجع تاريخية وأرشيفات الهجرة الاميركية، يتمكّن الباحث من رسم لوحة واضحة الخطوط زاهية الالوان لنشأة سعادة، فوالدته نايفة نصير المولودة في الشوير في سبعينات القرن التاسع عشر وصلت الى شيكاغو في 1880 وأنهت دراستها الثانوية هناك حيث تعرفت الى والد الزعيم خليل سعادة المولود في الشوير عام 1857 والمتخرّج طبيباً في اميركية بيروت في 1883 ومؤسس مجلة الطبيب مع ابرهيم اليازجي وبشارة زلزل، وصاحب القاموس الذي يحمل اسمه. اقترنت به، إنما توفّت باكراً في 1913، فكان على أنطون الصغير أن يحيا يتيماً منذ سنّه السابعة وأن يشاهد ويلات الحرب الاولى ويذوق أهوال المجاعة في الجبل، فانتقل مع اخوته الى مدرسة برمانا وعاشوا في الميتم هناك، ولما زار جمال باشا الميتم رفض أنطون سعادة الصبي أن يرفع العلم التركي في حفل استقباله، وكان أنطون نفسه من أنزل العلم التركي عن سطح المدرسة لما انسحب العثمانيون من الجبل.

في 1919 أبحر سعادة مع شقيقته غريس وشقيقيه سليم وادوار على متن الباخرة لالاند ، وهو في السادسة عشرة وكبيرهم، عبر مرسيليا، الى أميركا فوصلوها في 28 آذار 1920 مع مهاجرين آخرين من جبل لبنان، عند جزيرة إليس ومنها خرجوا الى نيويورك فالى عمهم إرنست سعادة في نيو مكسيكو، فما أن غادر والدهم خليل الارجنتين ليصدر صحيفة في البرازيل حتى لحق به اولاده فكانوا في ساو اولو في شباط 1921، وساهم مع والده في تحرير المجلة ، واتضح رويداً أن هناك ثلاث مؤثرات فكرية كبرى على وجدان أنطون الصحافي الشاب في المهجر الجنوبي: خليل سعادة وجبران ما غيره وفيليب حتّي سنديانة شملان على ضفاف الهّدْسن صاحب تاريخ العرب [1937] بالانكليزية، فلا قبله منذ طوفان نوح ولا بعده في أعقاب الحادي عشر، فرأى سعادة في حتّي السابق له في القول بالسورية القومية. في العدد الاول [11-3-1939] من سوريا الجديدة الصادرة في ساو اولو كتب سعادة افتتاحية تحدّث فيها عن ثلاثة نوابغ سوريين، نابغة روحي [جبران] ونابغة سياسي [خليل سعادة] ونابغة تاريخي [حتّي]؛ في تلك الافتتاحية قال سعادة:

كم من ملايين السوريين تتوق نفوسهم الى رؤية وطنهم مزدهراً نضيراً وأمتهم تعود الى تبوُّء مكانها المجيد وتحيا حياة جيدة معزّزة يشعر معها كل سوري بفخر قوميته. وكم عبّر عن هذا الاشتياق نوابغ سوريون فتنبّأ جبران بالعهد الجديد اذ يجيء فتى الربيع مُنادياً سكان الاجداث ليهبّوا ويسيروا مع الايام ونبّه الروح من غفلات الأمة، ونادى الدكتور سعادة بالوطنية والاخلاق وفتح طريق السياسة المخلصة، وتكلّم الدكتور فيليب حتّي على طبيعة الوطن السوري ووحدته الجغرافية وآمن بنشوء الأمة السورية وتنبّأ عن استيقاظ النفسية السورية ومهّد للابحاث عن الأمة السورية [أورده مجاعص بالانكليزية ص171 نقلاً عن الجزء6 من الآثار الكاملة، ص23، ونحن نورده عن المجلد 3 من الاعمال الكاملة، ص285].

وألمع سعادة الى نابغة رابع هو فرح أنطون.

في المهجر تفرّغ سعادة للصحافة ولم يغفل التيارات الادبية في الوطن فأشاد بفكر مي زيادة وحذّر من تنامي الحركة الصهيونية وخوّله اتقانه للعربية تدريسها في الكلية السورية البرازيلية بين 1926 و1928 ثم في الكلية الوطنية للعلوم والآداب بين 1928 و1930. فُجع سعادة بموت أخيه سليم قبل أن يكمل العشرين فتأثر وبدا تأثره واضحاً في رواية عكف على كتابتها بدءاً من 1929 ونشرها في بيروت في 1932 [ فاجعة حب ، مطبعة يوسف صادر]. عاد سعادة الى الوطن فأنهى عقداً من حياته في المهجر، واتخذ دمشق مركزاً لنشاطه فانضمّ الى أسرة صحيفة الايام . وفي 1932 عاد الى بيروت عاقداً النيّة على تأسيس اول وآخر حزب علماني في دنيا العرب في القرن الاخير من الألفية الثانية ما كلّفه حياته ثمناً لجرأته عند منتصف الطريق بين مشروع الدولة العبرية وبرنامج الامبراطورية الاميركية.

كتاب سليم مجاعص قول فصل ومرجع الاول من نوعه في حياة أكبر رأس علماني في المشرق العربي حتى الساعة وقيامها، فإن بقيت بغداد في قبضة المحافظين الجديد، على الدنيا الدمار وفي الناس الحسرة.

() Salim Mujais. Antoun Saadeh: A Biography. Volume 1. The Youth Years. Beirut: Kutub, 2001. A

أخرج الكتاب في طباعة أنيقة أمل الزين.